علي محمد علي دخيل
816
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
سقط في النار إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى معناه : ان علينا لبيان الهدى بالدلالة عليه ، فأما الاهتداء فإليكم ، قال قتادة : معناه : ان علينا بيان الطاعة والمعصية وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى وان لنا ملك الآخرة وملك الأولى ، فلا يزيد في ملكنا اهتداء من اهتدى ، ولا ينقص منه عصيان من عصى ، ولو نشاء لمنعناهم عن ذلك قسرا وجبرا ولكن التكليف اقتضى ان نمنعهم بيانا وأمرا وزجرا . ثم خوّف سبحانه العادل عن الهدى فقال فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى أي خوّفتكم نارا تتلهب وتتوهج وتتوقد لا يَصْلاها أي لا يدخل تلك النار ولا يلزمها إِلَّا الْأَشْقَى وهو الكافر باللّه الَّذِي كَذَّبَ بآيات اللّه ورسله وَتَوَلَّى أي أعرض عن الإيمان وَسَيُجَنَّبُهَا أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب الْأَتْقَى المبالغ في التقوى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ أي ينفقه في سبيل اللّه يَتَزَكَّى يطلب ان يكون عند اللّه زكيا لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة . قال القاضي : قوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلّا الكافر على ما يقوله الخوارج وبعض المرجئة ، وذلك لأنه نكر النار المذكورة ولم يعرفها ، فالمراد بذلك ان نارا من جملة النيران لا يصلاها إلا من هذه حاله ، والنيران دركات على ما بيّنه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين ، فمن أين عرف ان غير هذه النار لا يصلاها قوم آخرون ، وبعد فالظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلّا من كذب وتولى ، وجمع بين الأمرين فلا بدّ للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات ، وان لم يكذب . وقيل : ان الأتقى والأشقى المراد بهما التقي والشقي كما قال طرفة : تمنى رجال ان أموت وان أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد ثم وصف سبحانه الأتقى فقال وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى أي ولم يفعل الأتقى ما فعله من إيتاء المال وانفاقه في سبيل اللّه ليد اسديت إليه يكافئ عليها ، ولا ليد يتخذها عند أحد من الخلق إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى أي ولكنه فعل ما فعل يبتغي به وجه اللّه ورضاه وثوابه ؛ وانما ذكر الوجه طلبا لشرف الذكر والمعنى : إلّا للّه ولابتغاء ثواب اللّه وَلَسَوْفَ يَرْضى أي ولسوف يعطيه من الجزاء والثواب ما يرضى به ، فإنه يعطيه كل ما تمنى ولم يخطر بباله فيرضى به لا محالة . سورة الضحى مكية وآياتها احدى عشرة آية النزول قال : ابن عباس احتبس الوحي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خمسة عشر يوما فقال المشركون : ان محمدا قد ودعه ربه وقلاه ولو كان أمره من اللّه تعالى لتتابع عليه فنزلت السورة . 1 - 11 - وَالضُّحى أقسم سبحانه بنور النهار كله وَاللَّيْلِ إِذا سَجى أي سكن واستقرّ ظلامه ، وقيل معناه وربّ الضحى ورب الليل إذا سجى وقيل : ان المراد بالضحى أول ساعة من النهار ، وقيل : صدر النهار ، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحر والبرد في الشتاء والصيف ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى هذا جواب القسم ومعناه : ما تركك يا محمد ربك وما قطع عنك الوحي توديعا لك ، وما قلاك : أي ما أبغضك منذ اصطفاك وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى يعني ان ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الدنيا الفانية والكون فيها